أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
177
العقد الفريد
لنصرة حقه ، يجدّد حبل الإسلام بدعواهم ويشيد أركان الدين بنصرتهم ، ويتخذهم لأولياء دينه أنصارا ، وعلى إقامة عدله أعوانا ، يسدّون الخلل ، ويقيمون الميل ، ويدفعون عن الأرض الفساد ؛ وإنّ أهل خراسان أصبحوا أيدي دولتنا ، وسيوف دعوتنا الذين نستدفع المكاره بطاعتهم ، ونصرف نزول العظائم بمناصحتهم ، وندافع ريب الزمان بعزائمهم ، ونزاحم ركن الدهر ببصائرهم . فهم عماد الأرض إذا أرجفت كنفها « 1 » ، وحتوف الأعداء إذا أبرزت صفحتها ، وحصون الرعية إذا تضايقت الحال بها ؛ قد مضت لهم وقائع صادقات ؛ ومواطن صالحات ، أخمدت نيران الفتن ، وقصمت دواعي البدع ، وأذلّت رقاب الجبّارين ، ولم ينفكّوا كذلك ما جروا مع ريح دولتنا ، وأقاموا في ظلّ دعوتنا ، واعتصموا بحبل طاعتنا التي أعزّ اللّه بها ذلّتهم ، ورفع بها ضعتهم ، وجعلهم بها أربابا في أقطار الأرضين ، وملوكا على رقاب العالمين ، بعد لباس الذّل ، وقناع الخوف ، وإطباق البلاء ، ومحالفة الأسى ، وجهد البأس والضر . فظاهر عليهم لباس كرامتك ، وأنزلهم في حدائق نعمتك . ثم اعرف لهم حقّ طاعتهم ، ووسيلة دالّتهم ، وماتة « 2 » سابقتهم ، وحرمة مناصحتهم ، بالإحسان إليهم ، والتوسعة عليهم ، والإثابة لمحسنهم ، والإقالة لمسيئهم . أي بنيّ ؛ ثم عليك العامة . فاستدع رضاها بالعدل عليها . واستجلب مودّتها بالإنصاف لها ، وتحسّن بذلك لربك ، وتزيّن به في عين رعيّتك ، واجعل عمال القدر ، وولاة الحجج ، مقدّمة بين يدي عملك ، ونصفة منك لرعيتك ؛ وذلك أن تأمر قاضي كل بلد ، وخيار أهل كل مصر ، أن يختاروا لأنفسهم رجلا تولّيه أمرهم ، وتجعل العدل حاكما بينه وبينهم ، فإن أحسن حمدت ، وإن أساء عذرت . هؤلاء عمال القدر ؛ وولاة الحجج . فلا يضيعنّ عليك ما في ذلك - إذا انتشر في الآفاق وسبق إلى الأسماع - من انعقاد ألسنة المرجفين ، وكبت قلوب الحاسدين ، إطفاء نيران الحروب ، وسلامة عواقب الأمور ، ولا ينفكنّ في ظل كرامتك نازلا ، وبعرا « 3 » حبلك متعلّقا ،
--> ( 1 ) الكنف : الجنبات . ( 2 ) الماتة : الصلة والسبب . ( 3 ) العرا : الأواصر والصلات .